الاحتلال: من يدفع الثمن

تأثير الاحتلال على الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل

تُعتبر عبارة “الشريحة المئوية العليا” مُصطلحا مركزيا في السنوات الأخيرة في الجدل العام فيما يتعلق بقضية انعدام المساواة المتفاقمة في إسرائيل، ويُقصد بهذه المصطلح الترّكز الكبير للموارد والثراء بين يدي قلة من أصحاب رأس المال. لكن فهم الصورة الكاملة لحالة انعدام المساواة تستلزم أيضا التطرق لشريحة مئوية عليا إضافية، وهي “شريحة مئوية عليا سياسية.” تضم هذه الشريحة المئوية المستوطنين “الأيديولوجيين”، حيث تتمتع قيادتهم السياسية بقوة سياسية عُظمى، تُمكنها من فرض “الفيتو” على أي خطوة حقيقة باتجاه الحل السياسي وخاصة أي تحرك في الطريق من أجل إقامة دولة فلسطينية. وفيما تُمثل “الشريحة المئوية” الأولى حالة التمركز المتزايد لرأس المال في إسرائيل، فإن الشريحة الثانية تُساهم في بقاء الصراع وفي تحميل إسرائيل ثمنه الغالي اجتماعيا واقتصاديا.

إن الجواب على السؤال حول سبب اتساع الفجوات الاقتصادية-الاجتماعية في إسرائيل لهذه الدرجة الكبيرة، يكمن في قدرة الشريحتين المئويتين الأعلى، اقتصاديا وسياسيا، على بلورة الأجندة العامة في إسرائيل ومنع تنفيذ أي خطوات يمكن أن تُساهم في تقليص حالة عدم المساواة واحتواء كافة شرائح المجتمع الإسرائيلي في حدود “أمّة الستارت-أب”.

يتعامل الكثير من الإسرائيليين مع قضية الاحتلال والمقاومة الفلسطينية وكأنها شأن أمني أو سياسي ولا علاقة له بالقصة الاقتصادية- الاجتماعية. هذا إدراك خاطئ: “صيانة الاحتلال” هي أمر مُكلف جدا، ويضر بالنمو الاقتصادي وبقدرة الدولة على الاستثمار من أجل تطوير المناطق البعيدة عن المركز ورفع جودة حياة جميع سكان الدولة”.

  • يمس الاحتلال بالاستقرار الاقتصادي للدولة ويولد سيرورات نمو متقلبة جدا، وغالبا ما تواجه النمو الاقتصادي عقبات بسبب المواجهات العنيفة المتواصلة مثل الانتفاضتين والحرب على غزة عام 2014.
  • الضرر الأكثر وضوحا وتأثيرا هو الثمن العسكري: الزيادات المتواصلة لميزانية الأمن بسبب النشاطات العسكرية. بين السنوات 198-2015 وصلت هذه الزيادات 55.6 مليار شاقل. وذلك بالإضافة إلى ميزانية الأمن الجارية، والتي تمول أيضا العمليات الجارية في المناطق المحتلة. جانب آخر يتعلق بزيادة النفقات الأمنية هو توجيه جزء من موارد وزارة الأمن الداخلي لرعاية الاحتلال.
  • إن القطاع الاقتصادي الأكثر تأثراً بالصراع هو القطاع السياحي. تتمتع إسرائيل بإمكانيات هائلة في مجال السياحة، إلا أن كل حدث أمني كبير يؤدي إلى تراجع حاد في حركة السياحة الوافدة للدولة.
  • يمس الاحتلال أيضا بالتصنيف الائتماني لإسرائيل، وهو أصلا منخفض نسبيا للاقتصادات المتطورة، وذلك بسبب تهديد الأخطار الأمنية على الاستقرار الاقتصادي للدولة. التصنيف الائتماني المتدني يعني تكاليف فوائد دين عالية. في المواجهات، مثل الحرب على غزة عام 2014، تجنبت حكومة إسرائيل الإعلان عن حالة طوارئ خوفا من أي يؤدي الأمر إلى الإضرار بتصنيفها الائتماني، مما أدى إلى امتناعها عن تقديم التعويضات الكاملة للمواطنين والمصالح التجارية التي تضررت اقتصاديا خلال أيام الحرب.
  • لقد تفاقمت مشكلة انعدام المساواة في إسرائيل بشكل كبير في العقود الثلاثة الأخيرة وتعتبر في يومنا هذا من الأعلى في العالم الغربي. لقد تم تبني السياسات الاقتصادية النيو-ليبرالية منذ سنة 1985، إلا أن الخطوات الأشد حدة اتُخذت في فترة الانتفاضة الثانية، والتي ترافقت بأزمة اقتصادية من الأطول في تاريخ الدولة. أهم هذه الخطوات: سياسة تقشف حكومية أدت إلى تقليص الإنفاق الحكومي عامة والإنفاق على الخدمات الاجتماعية خاصة؛ تخفيض الضرائب على الأفراد والشركات، الأمر الذي عاد بالفائدة الكبرى على الطبقات الغنية في إسرائيل؛ تقليصات حادة في مخصصات التأمين الوطني والتي رفعت إلى حد كبير نسبة الفقراء ومسّت بالطبقة الوسطى.
  • يمكن القول أيضا أنه لولا حالة الطوارئ التي ولّدتها تلك الانتفاضة لم يكن بالإمكان تطبيق هذه الخطوات المتطرفة، أو ربما كان بالإمكان اتخاذها بشكل أقل حدة وأكثر تدريجا. هذا مثال واضح على العلاقة بين النهج النيو-ليبرالي داخل حدود الخط الأخضر وبين السلطة العسكرية المتواصلة على جانبي الخط الأخضر.
  • انعدام الاستقرار لا تمس فقط بالإسرائيليين محدودي الدخل إنما أيضا بالشركات الكبيرة وبأصحاب المدخولات العالية. إلا أن هؤلاء يتمتعون بالحماية المُباشرة وبالدعم الكريم من حكومات إسرائيل، والتي تبذل أقصى ما في وسعها لحمايتهم من خلال فرض الضرائب المنخفضة على الأفراد والشركات، من خلال تخفيض تكلفة الائتمان ومن خلال اتباع سياسة ثابتة لخفض تكاليف العمل.
  • إن الصراع المتواصل يمس على وجه الخصوص بالمواطنين العرب في الدولة، والذين يعانون من التمييز المتواصل في جميع جوانب التطوير الاقتصادي وجودة الحياة مقارنة بالسكان اليهود. الصراع يُصعب من إبعاد شبح “الولاء” للدولة وتبني سياسة تخصيص أراض أكثر سخاءً. بدون وجود سياسة تخصيص أراض عادلة يصعب جدا النهوض بالاقتصاد بشكل حقيقي- مثلا، من خلال إقامة مناطق صناعية مثل تلك القائمة في بلدات التطوير وفي المستوطنات.