على الطبقة الوسطى أن تسعى إلى السيطرة على أموالها،

حول الأزمة المالية للطبقة الوسطى الغربية

بالقدر الذّي يمكن للمرء أن ينظر إلى حركة الإحتجاج التي برزت، على ما يبدو من العدم، في تل أبيب في صيف عام 2011، على أنها تعبير حقيقي عن شعور الطبقة الوسطى بعدم الرضى والإحباط، وبالقدر الذي يمكن فيه أن يُنظر إلى هذه الحركة على أنها تعبير محليّ عن الحركات الإحتجاجية الأوسع التي ظهرت في نفس الوقت تقريباً في مناطق مختلفة من العالم الغربي، فإنه يمكن القول بأن هذا الإحتجاج تأخر بالمجيء. وفي الواقع، من الممكن أنه قد جاء متاخراً جداً.

اليوم، أصبحت الطبقة الوسطى الغربية، والتي تعد ظاهرة إجتماعية من القرن العشرين، مثلت ذات يوم نذير تطور لا رجعة فيه في تاريخ البشرية، تشهد تراجعاً. سواءً نظرنا إليها على أنها تحقيق لوعد الثورة الفرنسية بالمساواة، أو حتى إن فكرنا بها بشكل مغاير، على أنها وفاء لوعد الثورة الصناعية بمستويات عالية من المعيشة لجميع السكان، أصبحت هذه الطبقة ظاهرة، على ما يبدو، ضعيفة جداً. صفوف الطبقة الوسطى آخذة في التضاؤل، جنباً إلى جنب، مع تضائل حصتها من كعكة الدخل. أن يولد المرء بين صفوف هذه الطبقة لم يعد ضماناً لأن يكبر في صفوفها أيضاً. وتنطبق هذه التصريحات على الولايات المتحدة أكثر من بلدان أوروبا الغربية، وعلى بريطانيا أكثر من الدول الإسكندنافية، وعلى إسرائيل أكثر من هولندا. ولكن كتهديد حقيقي، فانها تنطبق على معظم، إن لم يكن كل، الدول الغربية.

ترسم هذه الورقة صورة إنطباعية عن عملية التراجع التي تبلغ ذروتها في هذا الوقت بالذات. يصبح الحديث الآن عن “طبقة وسطى غربية”، مبالغة كبيرة، لا نريد أن نقول مفرطة. لأغراض هذا المقال، سوف أختار نموذجي النظري من الولايات المتحدة الأمريكية، كونها البلد الذي غُرست فيه بذور مفهوم “الطبقة الوسطى” وتشرّشت. هناك، تشكّل المفهوم والذي يرى في الطبقة الوسطى شريحة إجتماعية تميزها أنماط الدخل والإستهلاك، بعكس وجهات النظر الأوروبية لتعريف الطبقة الإجتماعية والتي تشدد على النفوذ السياسي-الإقتصادي. ومع ذلك، وخلال العصر الذهبي للطبقة الوسطى، أي العقود الثلاثة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، إجتاح النموذج الأمريكي تدريجياً مخيلة العالم الغربي كله. وتأتى ذلك، في المقام الأول، من خلال إنتشار الدعاية وأساليب التسويق الأمريكية، ولكنه كان أيضاً نتيجة من نتائج إنعكاس “نمط حياة” الطبقة الوسطى في أمريكا في مجالات الأدب، والسينما، وعلم الإجتماع وعلم النفس التي أنتجها “العالم الغربي”. وخففت الثقافة السياسية للعصر الذهبي للطبقة الوسطى من حدة الصراع الطبقي الذي كان رمزاً من رموز العهد السابق، كما تجلى في عنوان كتاب “نهاية الأيديولوجيا”، لمؤلفه، أحد رواد علم الإجتماع الأمريكي في تلك الفترة، دانيال بل.