عشيّة السنة الدراسية 2016/17 : أين النصف الآخر؟ الشبيبة التي لن تنال شهادة البجروت

أصدر مركز أدڤا دراسة جديدة، أين النصف الآخر؟ الشبيبة التي لن تنال شهادة البجروت

السنة الدراسية على الأبواب. بعد أسبوعين من الآن سوف يدخل الأطفال عتبة الصف الأول محمَّلين بالأمل في أن يصلوا إلى الصف الثاني عشر وينالوا هناك شهادة البجروت. أما في هذا العام – 2016، وكما بات معلومًا، فلن ينال تلك الشهادة إلا جزء لا يتجاوز عددُه إلا بقليل نصفَ عدد البالغين سِن التخرّج، ما نسبته 56% فقط.

أصدر مركز أدڤا دراسة جديدة، أين النصف الآخر؟ الشبيبة التي لن تنال شهادة البجروت. كتب الدراسة كلّ من شلومو سڤيرسكي، إيتي قونور أطياس ونُوچَه دَچان بوزچلو، وهي تطرح السؤال “أين هؤلاء الذين لم يحصلوا على شهادة البجروت؟”. تقول الدراسة إن هناك إجابتَين أساسيتين:

1. التسرّب
وفقًا لمعطيات 2014، وهي السنة الأخيرة التي صدرت بشأنها بيانات كاملة، فإن حوالي خُمس الشبيبة – 19.5% – لم يتعلّموا في الصف الثاني عشر قط. تعود أعلى النسب في هذا المجال إلى الحريديم – 45.7%، يتلوهم بدو النقب – 36.2%، ثم العرب (دون البدو والدروز) – 19.7%، فالدروز – 15.5%. تجدر الإشارة إلى أن التقديرات للسنة 2012/13 فيما يتعلَّق بالقدس الشرقية تشير إلى أن نسبة مَن لم يصلوا الصف الثاني عشر بلغت 36%، أي ما يضاهي النسبة بين بدو النقب.

السبب الرئيسي لهذه الحال يكمن في التسرّب. في الفترة بين السنة الدراسية 2013/14 و-2014/15 تسرّب 2.1% من تلاميذ الصفوف العاشرة في إسرائيل (1,981 تلميذا وتلميذة)، 5.0% من تلاميذ الصفوف الحادية عشرة (4,651) و-1.1% من تلاميذ صفوف الثاني عشر (942) – أي 7,574 تلميذا وتلميذة. تعود أعلى نسب المتسرّبين إلى القادمين الجدد (الذين قدِموا إلى البلاد منذ 2006) والحريديم: في الصف الحادي عشر تسرّب 16.2% من مجمل القادمين الجدد و-15.2% من مجمل الحريديم. في كل حالات التسرّب تتجاوز نسبةُ الفتيان نسبتَها من الفتيات.

إلى المتسرّبين والمتسرّبات ينبغي أن نضيف مجموعة من التلاميذ التي لم تحظ بفرص كبيرة للحصول على شهادة البجروت – أولئك الذين يخضعون لرقابة ضباط الدوام المنتظَم. وفقًا لمعطيات المجلس الوطني لسلامة الطفل، بلغ عدد هؤلاء في السنة الدراسية 2013/14 بين طلاب المرحلة المدرسية العليا 38,200 تلميذ، 62% منهم يهود و-32% عرب.

تجدر الإشارة إلى أن حوالي الثلث فقط من المتسربين ينتقل للدراسة في إطار آخر: في المدارس الدينية اليهودية أو المدارس التابعة لوزارة الاقتصاد. في 2014 انتقل 19.2% من المتسرّبين للدراسة في مدارس تابعة لوزارة الاقتصاد و-13.8% إلى مدارس دينية يهودية كبيرة.

2. إدارة غالبية المدارس الواقعة في الأطراف على يد شبكات تتخصّص بالتعليم المهني
تكمن الإجابة الثانية للسؤال “أين النصف الآخر؟” في أن العديد من البلدات الصغيرة ذات الموارد المتواضعة، كبلدات التطوير، تسلِّم السلطةُ المحليّة فيها تشغيلَ المدرسة الثانوية المحلية لشبكات إدارة خارجية تتخصَّص تقليديًّا في التعليم المهني.

تُظهِر بيانات عن الشبكتَين الكبريَين – أورط وعَمال بأن الأولى شغّلت عام 2014 99 مدرسة، 38 منها تخلّلَها مساقٌ نظري، 58 مساق تكنولوجي و-72 مساق مهني. الأمر مشابه في شبكة عَمال التي شغّلت 60 مدرسة 21 منها تخلّلها مساق نظري، 9 مساق تكنولوجي و-33 مساق مهني (عِلْمًا بان المدارس في كلا الشبكتين تخضع لإشراف كلٍّ من وزارة التربية والتعليم ووزارة الاقتصاد).

71% من مجمل مدارس الشبكتين المهنيتين الكبريَين – أورط وعَمال – يقع في بلدات ذات تدريج اجتماعي اقتصادي متدنٍّ: 35 منها في بلدات عربية، 43 في بلدات تطوير و-35 إضافية في بلدات مدرَّجة في عناقيد اجتماعية اقتصادية من 1 إلى 5. أما البلدات المتيسّرة، فإن ضمّت مدارس مهنية، تكون هذه في أحياء “جنوبية” عادة.

تجدر الإشارة إلى أن نسبة الاستحقاق لشهادة البجروت في المساقات المهنية، باستثناء المساق الهندسي، تنخفض عنها في المساقات النظرية.

3. الضغط نحو توسيع التعليم المهني
ثمّة شعور في إسرائيل في السنوات الأخيرة بوجود ضغط نحو توسيع التعليم المهني. يثير هذا الضغط الدهشة، إذ أن نسبة المتعلمين في المسارات التكنولوجية بلغت عام 2014 حوالي 40%، وهي نسبة لا تقل عن المتوسط السائد في أوروبا الغربية.

يبدو أن الضغط لتوسيع نطاق التعليم المهني لا يعكس بالضرورة الحاجةَ إلى المزيد من الخرّيجين، بل السعيَ إلى تعليم مهني آخر – التعليم المهني في ألمانيا على سبيل المثال. التعليم المهني (ما عدا المساق الهندسي) يندرج في إسرائيل في إطار معالجة “الفضلات”، ما يعني أنه يستوعب التلاميذ الذين تقرَّر أنهم غير صالحين للدراسة في المساق النظري. التعليم في العديد من المساقات المهنية يتخلّف كثيرا عنه في المساقات النظرية، لا يتلقّى الخرّيجون هنا تأهيلا مهنيا يعترف به أرباب العمل، ويُنهي التلاميذ دراستهم دون خبرة مهنية عملية. تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في دراسة لها في هذا الصدد إن الخرّيجين يحملون في جعبتهم شهادات كثيرا ما لا تقودهم إلى أي مكان.

في المقابل، تعتمد ألمانيا منذ عدة سنوات تقليدًا تدريسيًّا يرافقه تأهيل عملي في مصانع تختارها الحكومة. يتلقّى المتدرِّبون أجرًا، ويشكّل مساق التأهيل المهني للكثيرين منهم ممرًّا لإشغال وظيفة ثابتة في المصنع مع انتهاء فترة الدراسة، عِلْمًا بأن شروط العمل والأجر تخضع لاتفاقات عمل جماعية، أما شروط الاعتراف والشهادة فتوضع في نهاية المساق باشتراك أرباب العمل والنقابات العمالية. وفي هذا الطور تنفتح الطريق أمام الخرّيجين ليواصلوا دراستهم في كلية تكنولوجية، بل وفي إحدى الجامعات إن استكملوا بعض المواضيع.

فإذا كان هذا هو ما يسعى إليه الضاغطون نحو توسيع نطاق التعليم المهني في إسرائيل، فالمطلوب هنا ليس توسيع المساقات المهنية القائمة، بل إجراء إصلاح واسع النطاق في عدد من النُظُم: مستوى التعليم في المدارس، أنظمة الرقابة المعتمَدة في وزارة التربية والتعليم، تشريعات العمل، نظام الأجور، التعاون بين أرباب العمل والنقابات المهنية، وغير ذلك.

مع ذلك، وقبل الولوج إلى مسار واسع كهذا، لا بد من السؤال إن كان هذا هو الاتجاه الذي يرغب المجتمع الإسرائيلي بالفعل السير فيه. هل من الأَوْلى أن نواصل الغربلة منذ الصّغر – نهاية المرحلة الإعدادية – بين مَن سيذهب إلى صفوف الصدارة – القيادة والبحوث وأولئك الذين سيذهبون إلى خطوط الإنتاج والمهن الخدماتية؟ أليس منطقيًّا أكثر أن نمنح كافة التلاميذ تعليما عاما واسعا، بما في ذلك اللقب الأكاديمي الأول، وأن نطرح أمامهم بعد ذلك فقط الإمكانيات المهنية المختلفة؟